السيد المرعشي
453
شرح إحقاق الحق
وسمع جعفر هذه اللعنات طيلة صباه وجزء من صدر شبابه ، حتى جاء الخليفة الأموي العادل عمر بن عبد العزيز فتبرأ إلى الله من هذا العار ، وكان يحمل للإمام علي ابن أبي طالب ما يحمل لغيره من الخلفاء الراشدين الثلاثة من إجلال وتوقير . وأمر الخطباء أن يتلوا - بدلا من لعن علي في ختام خطبة الجمعة - الآية الكريمة التي ما زالت تتلى إلى الآن : ( إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) . وطابت نفس جعفر كما طابت نفوس الصالحين وأهل التقوى والعلم بما صنعه الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز ، وأعلن الإمام جعفر في مجلسه إعجابه بالخليفة عمر سبط عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وكان الإمام جعفر منذ رأى بطش الحكام بآل البيت وأنصارهم وبالباحثين عن الحقيقة وبمقاومي الاستبداد ، كان قد أخذ بمبدأ التقية فلم يجهر بالعداء لبني أمية ، اتقاء شرهم ، وحذر للفتنة ، وهم إذ ذاك غلاظ شداد على من لا يوالونهم . فآثر أن يهب نفسه للعلم ، وألا يفكر في النهوض والاقضاض على السلطان الجائر ، حقنا لدماء المسلمين . ورأى أن خير ما يقاوم به البغي هو الكلمة المضيئة تنير للناس طريق الهداية ، وتزكيهم وتحركهم إلى الدفاع عن حقوق الانسان التي شرعها الاسلام وإلى حماية مصالح الأمة التي هي هدف الشريعة . وكان قد تعلم من جده الإمام علي زين العابدين بن الحسين عن جده الرسول ( ص ) أن طلب العلم ونشره جهاد في سبيل الله ، وأن الله تعالى جعل للعلماء مكانة بين الأنبياء والشهداء . وكان قد رأى جده الإمام زين العابدين رضي الله عن يخطو في المسجد حتى يجلس في حلقة أحد الفقهاء من غير آل البيت ، فيقول له أحد الحاضرين : غفر الله لك أنت سيد الناس . وتأتي تتخطى خلق الله وأهل العلم من قريش حتى تجلس مع هذا